مـواضـيـع الـعـدالـة الانـتـقـالـيـة

الـعـفـو الـعـام


مفهوم العفو العام
العفو العام هو ضمان الحصانة أو الصفح بعدم الخضوع للقانون المطبق، والذي تمنحه دولة ما لفئة معينة من الأشخاص عن فئة معينة من الجرائم. وعادة ما يتم اللجوء إلى العفو العام كإجراء استثنائي لمواجهة حدث أو فترة غير عادية في حياة أمة من الأمم. وهو بهذه الصفة مختلف عن القوانين أو الاتفاقات العادية، التي تكون لها عادة أهداف وخصائص أقل حدة وخطورة. ومن الجدير بالذكر كذلك، أن العفو العام يختلف عن الصفح والغفران: فالعفو يمكن أن يطبق قبل المحاكمة (لحماية بعض الأشخاص من المحاكمة القانونية ونتائجها)، أو بعد المحاكمة (لوضع حد نهائي لنتائج المحاكمة القانونية)، بينما لا يطبق الصفح إلا بعد المحاكمة فقط.
وإذا كان العفو العام يعتبر، لسبب وجيه، الاستثناء الأكثر إثارة للجدل من المحاسبة الفردية، فمن المؤكد أنه ليس الاستثناء الوحيد. فالاستثناءات الأخرى من المحاسبة – مثل قانون تحديد التقاضي والحصانة الدبلوماسية – هي أقل إثارة للجدل وتمثل بالطبع مميزات رئيسية في أغلب الأنظمة القانونية في جميع أنحاء العالم. وعلاوة على ذلك، يتم اللجوء مرارا إلى العفو العام في السياقات غير الجنائية وتطبق بشكل فعلي ولا تثير أي نقاشات حامية. وكمثال على ذلك، العفو عن عدم دفع الضرائب (منح الحصانة من التهرب الضريبي السابق بشرط الالتزام مستقبلا بالقوانين الضرائبية) والعفو عن الهجرة غير الشرعية (السماح للمهاجرين غير القانونيين الذين أصبحوا مواطنين بأمر الواقع أن يعتبروا مواطنين بموجب القانون).

العفو العام كأمر غير مرغوب فيه
توجد عدة أسباب تفسر لماذا يعتبر العفو عن جرائم حقوق الإنسان والجرائم الاقتصادية الكبرى، شيئا غير مرغوب فيه على العموم بل وغالبا غير مقبول في نظر المدافعين عن حقوق الإنسان. فمن جهة أولى، يخرق العفو حق الضحايا في الإنصاف وقد يكون غير متطابق مع التزام الدولة بموجب القانون الدولي بمعاقبة منتهكي حقوق الإنسان. ومن جهة ثانية، يمكن أن يعكس قواعد القانون من حيث سماحه لمرتكبي جرائم حقوق الإنسان بالتهرب بشكل غير عادل من المسؤولية بينما يظل مرتكبو الجرائم العادية في الشوارع خاضعين للمتابعة، مما يؤدي إلى الاعتقاد بأن العدالة الجنائية لا تخضع كما ينبغي للقواعد والقوانين، بل تخضع للسلطة والسياسة. وثمة سبب ثالث هو أن العفو يمكن أن يقوض أسس الردع من خلال نشر فكرة مفادها أن الجرائم الخطيرة يمكن ارتكابها دون التعرض للعقاب. ورابعا، يمكن للعفو أن يعرقل أشكال الردع الخاصة بالسماح لمرتكبي الجرائم الخطيرة بتفادي المتابعة، مما يجعلهم أحرارا ليرتكبوا في المستقبل جرائم حقوق الإنسان أو إثارة النزاعات أو عدم الاستقرار. وأخيرا فإن العفو قد يشجع الاستخفاف وفقدان الأمل لدى ضحايا جرائم حقوق الإنسان. وقد يؤدي ذلك ببعض الضحايا إلى أخذ القصاص بأيديهم والقيام بأعمال خاصة للثأر لأنفسهم. ومن شأن ذلك السلوك أن يؤجج النزاعات من خلال الأخذ بالثأر والقصاص المضاد بين الجماعات.

القانون الدولي والعفو العام
فيما يتعلق بما نص عليه القانون الدولي حول مسألة العفو العام، لا بد من الإشارة إلى أنه لا توجد أية اتفاقية دولية تحظر العفو بشكل صريح العفو أو تشجعه فيما يخص جرائم حقوق الإنسان. ولا توجد سوى اتفاقية دولية واحدة، وهي البروتوكول الثاني الملحق باتفاقيات جنيف، تشجع العفو بشكل صريح في سياق نزاع مسلح داخلي. ولكن ذلك لا يعني مساندة العفو العام عن انتهاكات القانون الإنساني الدولي . وثمة كذلك تصريحان للأمم المتحدة يتطرقان إلى مسالة العفو فيما يخص جرائم حقوق الإنسان – هما إعلان الأمم المتحدة الخاص بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (المادة 18) ومبادئ الأمم المتحدة بشأن المنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة (المبدأ 19) - ولكن لا يمكن اعتبار أي منهما مصدرا ملزما وتوجد كذلك مجموعة كبيرة من قرارات الأمم المتحدة تقول إن عمليات العفو المستعملة كغطاء تعتبر خرقا للقوانين الدولية، غير أن هذه القرارات ليست ذات طبيعة ملزمة.
ونظرا إلى عدم وجود معاهدة تحظر العفو بشكل صريح في مجال جرائم حقوق الإنسان، فإن حجج القانون الدولي المناهضة للعفو تقوم بالضرورة على التزامات الدول الضمنية. وتتمثل الحجة الأساسية في أن جميع الدول ملزمة بالتحقيق في جرائم حقوق الإنسان وإلحاق العقاب بالمسؤولين عنها – والذي يتطلب كحد أقصى التسليم أو المتابعة وكحد أدنى إلحاق عقوبة غير قضائية لا تتنافى كثيرا مع حجم جريمة حقوق الإنسان المعنية. وبالإضافة إلى هذه الالتزامات، يقع على الدول التزام مواز وهو إيقاف الانتهاكات الجارية والحيلولة دون ارتكاب انتهاكات جديدة.

متى يمكن أن يؤخذ العفو العام بعين الاعتبار؟
في العديد من السياقات التي يؤخذ فيها العفو العام بعين الاعتبار، يمكن أن تصير بعض التزامات العدالة المختلفة – مثل التحقيق والتعويض لصالح ضحايا الماضي، والتدخل والوقاية لصالح ضحايا اليوم والغد – متنافية أو متناقضة معنويا وقانونيا وسياسيا. ويتمثل التحدي في إيجاد طريقة للتوفيق بين الالتزامات المتضاربة.
ولكن يجب أن تكون الخطوة الأولى هي ضمان عدم الأخذ بالعفو إلا بعد استكشاف بدائل أقل حدة – بما في ذلك عدم اتخاذ أي إجراء، بما أن العفو هو خطوة فعلية لتكريس الحصانة. وثانيا، يجب ضمان أن أي عفو لن يعمل به إلا في حدود الضرورة وحسب الظروف، مما يعني أن التنازلات تنكمش إلى أدنى حد. وثالثا، يجب ضمان اشتمال العفو على أقصى ما يمكن من عناصر العدالة. وفي هذا الصدد، لابد من الإشارة إلى أن العفو يمكن أن تختلف أنواعه على الأقل من حيث خمسة جوانب: من حيث هل الجرائم أو الأفعال مقبولة أو غير مقبولة بشكل صريح ليطبق عليها العفو، (مثلا هل سيشمل انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم السياسية والجرائم العادية والجرائم الجنسية والجرائم الاقتصادية، الخ)، ومن حيث الأشخاص الجديرين أو غير الجديرين صراحة بالاستفادة من العفو (مثلا هل سيطبق على القادة أو مرتكبي الجرائم الأقل شأنا أو محترفي الإجرام، الخ) ومن حيث النتائج القانونية الصريحة الناتجة عن منح العفو للمستفيد منه (مثلا هل ستمنحه الحصانة من المتابعة أو من المسؤولية المدنية أو من عقوبات قانونية أخرى، الخ)، ومن حيث الإجراءات الإدارية لمنح العفو للأفراد، (مثلا هل سيصدر العفو من طرف لجنة عفو خاصة أو محكمة أو لجنة للحقيقة، الخ) ومن حيث الشروط الواجبة في الأفراد للاستفادة من العفو (مثلا هل سيكون مشروطا بتقديم طلب شخصي أو الاعتراف بالمسؤولية أو الحضور في جلسات الاستماع العلنية أو الإفصاح الكامل عن جميع الأفعال السيئة أو الالتزام مستقبلا بالقانون، الخ). ويمكن أن تختلف أنواع العفو حسب: النطاق الجغرافي لتطبيقه والإطار الزمني لتطبيقه والطابع القانوني وطبيعة التقديم أو التعليل القانوني الصريح.
ونظرا إلى تعدد هذه الصفات، من الواضح أنه لا يمكن أن يتشابه أي نوعين من أنواع العفو. كما أنه، وإن كانت الصيغة النهائية لعفو ما خاضعة إلى حد ما لبعض "المبادئ"، فأن ذلك لا يشكل ضمانا بأن من تم حرمانهم من العفو ستتم فعلا متابعتهم. نرى أن العفو الذي صدر في مقدونيا في سنة 2001 لم يشمل الجرائم الدولية، ولكن ذلك لا يضمن بأي حال من الأحوال أن يقدم المسؤولون عن مثل تلك الجرائم إلى المحاسبة. كما أن أفضل عمل من منظور العدالة الانتقالية هو مقاومة عمليات العفو غير الضرورية والتي لا تنبني على مبادئ، والبحث في الآن نفسه عن أقصى ما يمكن من التنازلات الأخرى على طاولة المفاوضات، بما في ذلك، المحافظة على الأرشيفات والملفات والسماح برؤيتها، وإنشاء لجنة للتحقيق والالتزام بتعويض الضحايا وتوفير مساعدة مالية لصالح جماعات الضحايا، والقيام بإصلاح مؤسسي وقانوني لتطوير قوانين حقوق الإنسان وبرامج لإعادة التوطين والإدماج لصالح اللاجئين والأشخاص النازحين داخل وطنهم.

العفو والإفلات من العقاب و"المصالحة"
وكملاحظة أخيرة، لابد من الإشارة إلى أن العفو العام يكثر تبريره بوصفه إجراء سيساهم في المصالحة الوطنية. ولهذا السبب، أصبحت المصالحة في بعض السياقات بمثابة كلمة السر التي تعني الإفلات من العقاب. ومن الأكيد أنها صارت مرتبطة بوسائل مبنية على الماضي تعطي الأولوية للصفح والنسيان الوطني محاولة في آخر المطاف فرض ذلك. ويقلل ذلك من أهمية دور إرساء السلام والاستقرار الذي يمكن أن يلعبه العفو العام في بعض السياقات حينما يتم اللجوء إليه بحسن نية وترسم حدوده بدقة. والواقع أن المصالحة في مفهومها الحقيقي لا تعني النسيان ولكن تعني تمحيصا ناضجا وواعيا للماضي من أجل الاعتراف بالمعاناة وإدانة الانتهاكات وتغيير السلوك التعسفي للحيلولة دون ارتكاب الانتهاكات في المستقبل.

 
FRANCAIS ENGLISH ESPANOL



احياء الذكرى التعويضات لجان الحقيقة فحص الموظفين المحاكمات تاريخ العدالة الانتقالية احياء الذكرى التعويضات لجان الحقيقة فحص الموظفين المحاكمات تاريخ العدالة الانتقالية

 


احياء الذكرى التعويضات لجان الحقيقة فحص الموظفين المحاكمات تاريخ العدالة الانتقالية تقارير وبيانات بلدان مواقع أخرى النشرة الاخبارية الصفحة الرئيسية للاتصال من نحن